عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي
61
أمالي الزجاجي
أخطأتما جميعا ، لأنّه غير جائز أن يقال إنّ من خير القوم وأفضلهم بل خيرهم زيدا . فقال المهدىّ : يا كسائىّ ، ما مرّ بك مثل اليوم ! قال : فكيف الصواب عندك ؟ فقلت : إنّ من خير القوم وأفضلهم أو خيرهم بتة زيد على معنى تكرير إنّ . فقال المهدىّ : قد اختلفتما وأنتما عالمان ، فمن يفصل بينكما ؟ قلت : فصحاء العرب المطبوعون . فبعث إلى أبى المطوّق ، فعملت أبياتا إلى أن يجيء ، وكان المهدىّ يميل إلى أخواله من اليمن ، فقلت : يا أيّها السائلى لأخبره * عمّن بصنعاء من ذوى الحسب حمير ساداتها تقرّ لها * بالفضل طرّا جحاجح العرب فإن من خيرهم وأفضلهم * أو خيرهم بتّة أبو كرب فلما جاء أبو المطوّق أنشدته الأبيات وسألته عن المسألة فوافقنى ، فلمّا خرجنا تهدّدنى شيبة وقال : تلحّننى بحضرة الأمير ! فأنشأت أقول : عش بجدّ ولا يضرّك نوك * إنّما عيش من ترى بالجدود « 1 » عش بحدّ وكن هبنّقة القيسىّ * جهلا أو شيبة بن الوليد « 2 » شيب يا شيب يا هنىّ بنى القعقاع * ما أنت بالحليم الرّشيد « 3 »
--> ( 1 ) الجد ، بالفتح : الحظ . والنوك ، بضم النون وفتحها : الحمق . يعنى أن الحظوظ هي التي تحكم في مصاير الناس . وانظر الكلام على هذا الشعر في حواشي البيان والتبين 2 : 243 . ( 2 ) هبنقة لقب له ، واسمه يزيد بن ثروان . انظر البيان والاشتقاق 357 . قال ابن دريد : « وكان أحمق أهل الأرض ، به يضرب المثل » . وأنشد للفرزدق : فلو كان ذا الودع بن ثروان لالتوت * بها كفه عنها يزيد الهبنقا وبلغ من حمقه أنه ضل له بعير فجعل ينادى : من وجد بعيري فهو له . فقيل له : فلم تنشده ؟ فقال : فأين حلاوة الوجدان ! مجمع الأمثال للميدانى في « أحمق من هبنقة » . ( 3 ) الهنى : مصغر « هن » ، وهي في تقدير هنو . والهن : كناية عن الشئ يستفحش ذكره .